
أجهشت بالبكاء ، و الألم يـَعتصرها ، و في نوبتها الهيستيرية قالت : " الآن ، أعلن : الضمير خـٌرافة ، لا شئ إسمه ( ضمير ) ".
قلت : غريب ما أسمع ، كيف تَحكمين في صرامة بـ موت الضمير ، بهذه البساطة ؟!
قالت : الضمير وهم صَنعه البشر لـ يٌميزوا بين المقبول و المرذول من عادات و قواعد و قوانين وضعوها لتحد تعاملاتهم ، و هو ، بالنسبة لهم : أعلي القوانين و السلطات . لكن الأصل أن لا شئ موجود إسمه الـ ضمير ، بل هو مُختـَرع ؛ و طالما الأمر كذلك ؛ فمن حقي أن أرفض و أن أثور علي عادات و قواعد و قوانين ، وضعها غيري ، بشر مثلي ، و أن أصنع أنا نفسي بـ نفسي قوانيني و قواعدي .
قلت : و ليكن أني أوافقك ِ بعض رأيك ؛ لكن أليس الضمير حالة ذاتية صِرفة تنشأ عن إستيعاب الإنسان للقواعد و القوانين و الأعراف ، و نقده الذاتي الصِرف أيضاً لها ، و لهذا فـ الضمير في بعضٍ غير قليل من أحكامه ، نسبي ، يختلف من فرد لآخر ، بل و من بلد لآخر ؟
و لماذا يَبتغي الناس ، علي إختلاف مواقفهم المتعارضة و المتضاربة و المختلفة بناء علي ما تمليه عليهم ضمائرهم ، الوصول إلي قيم كبري كـ : الحق و الخير و الجمال و السلام .. و غيرها ؟ !
و لماذا يَشعرون بـ ( الندم ) إذا ما شّعروا إنهم شّطوا عن هذه القيم الكبري ؟
قالت : الندم !!.. أتقول : الندم ؟!!.
لا وجود لـ شئ إسمه ( ندم ) ؛ الندم حٌجة الضعفاء ؛ و أنا " لم أندم علي شئ فعلته ؛ لأني وقت فعلته كان هو الحل الوحيد المٌتاح أمامي .
قلت : حتي لو كان ما فَعلته ( غير أخلاقي ) ؟! .
قالت : أسنٌعيد الحوار كَرة أخري ، أنا صانعة أخلاقي ، و لا أفعل إلا صَوابا ً و حقا ً .
قلت : أفهم من ذلك أنك لا تهتمين إن كان ما تفعلينه يُدعي : سرقة ، لصوصية ، خيانة ، إنتهازية ، طالما أنك تحققين وقتها سعادتك ؟! .
قالت : سعادتي هي أن أفعل كل ما أريد مٌحَطمة ً أي قيود و عوائق أمامي .
قلت : حتي لو كانت سعادتك بهذه الطريقة علي حساب الآخرين ؟
قالت : و هل لو كان ( الآخرون ) مكاني لفعلوا شئ غير ما أفعل ؟! .
قلت : إذا ً فمن حقي إنتزاع روحك إذا كان هذا يُحقق سعادتي ؟! .
قالت : لا تٌسفسط ، ما نقوله خارج عن لٌعبة الموت .
قلت : ربما هو خارجها بالنسبة لك ، لكن بالنسبة لي ، و قياسا ً علي رأيك في أن كل إنسان يصتع أخلاقه و قوانينه و يُحق له تحقيق سعادته كيفما شاء ؛ فـ أنا لا أعترف بأن ما قلته عن رغبتي في إنتزاع روحك أمر خارج عن لعبة الموت بل هو في صميمها ؛ لأن سعادتي لا تكتمل إلا بهذا .
و لأن هذا حقي فحين أقتلك ليس من حق أحد توقيع عقاب علي ؛ لأنه يحول بيني و بين سعادتي .
أنا لست ضد فكرة أن الإنسان هو صانع قوانينه و أخلاقه و ضَميره بشكل يَضمن له سعادته ؛ فـ أنا معها لإنها تقع في صميم فكرة ( الحرية ) . و لكن لما كان الوجه الآخر للحرية هو المسؤلية ، تجاه نفسي و الآخرين؛ فإنها تكون إلتزام ، و معني كونها إلتزام إنها حرية مقيدة بقيد واحد هو حرية الآخرين ، لأن الحرية صَنوها الإرادة الذاتية الحرة ، و لما كان لكل إنسان إرادته التي يريد فرضها و تأكيدها ؛ كان لابد لضرورة أن يكون إجتماع الناس قائم علي هذه الأرض أن تكون حرية الإنسان منتهية عند حرية الآخرين ، و أن يكون هناك مساحات متوازنة من التنافس و التنازل و التعاون ، أي أن يكون أساس التعامل بينهم هو : المنفعة المشتركة ( المتوازنة ) .
لكن ما أنا ضده في الفكرة هو أن يقتل الإنسان في نفسه إنسانيته الجميلة و يختزل نفسه في مجرد حيوان إستهلاكي شهواني .
و معني أن يقتل إنسانيته أن يتنازل عن كونه كائن أخلاقي ، و حيوان إجتماعي ، يعيش و يتعايش في جماعة ، يفيد و يستفيد ، و يرتقي أو لا يرتقي من خلال تواجده فيها و تفاعله معها وفق ما يرتضيه أفرادها من قواعد و قوانين و أخلاق تٌشكل ضميرهم الجَمعي .
و من ثم فأنا أيضا ً ضد ما تقولينه من أنه لا ندم . و أن الندم حٌجة الضعفاء ، و أنك لم تندمين قط علي شئ فعلتيه لأنك وقت فعلتيه كان هو الخيار الوحيد المتاح وقتها .
و من ثم فأنا أيضا ً ضد ما تقولينه من أنه لا ندم . و أن الندم حٌجة الضعفاء ، و أنك لم تندمين قط علي شئ فعلتيه لأنك وقت فعلتيه كان هو الخيار الوحيد المتاح وقتها .
كلام باطنه عكس ظاهره المٌزخرف بالواقعية و الجسارة .
إن ميزة الإنسان دون غيره من أعضاء مملكته الحيوانية هو إمتلاكه لـ عقل ناقد . و معني عقل ناقد أنه يمتلك القدرة علي تطوير نفسه ، أي تطوير خبراته الجديدة بناء علي نقد خبراته القديمة ؛ إذ بدون نقد لا يكون تطور و تقدم .
و معني أن لا يشعر إنسان بندم أبدا ً علي موقف فات أنه ببساطة لا يستفيد ، أو لا يحاول أن يستفيد ، من خبرات ماضيه المٌرة ، أنه يعيش عيشة عبثية ، و أن قيمه و أرائه و سلوكه عبثي ، و معني أن يكون عبثي أن يكون غير متزن ، و معني أن يكون غير متزن ، أن يكون غير مسئول ، ضعيف الثقة في نفسه ، نفسه خاوية من كل مبدأ يدعو إلي خير و صلاح و أقرب إلي شر و خراب و فوضي ، بإختصار إلي حالة الإنسان البدائي الأول من الهمجية و الطَيش و الفراغ .
إن الندم يستحيل أن يكون عدم؛ فالعدم مٌحال . و الندم شعور إنساني مفيد و نبيل إذ هو يدفع الإنسان إلي تطوير ذاته و حياته للأفضل و الأحسن .
الإنسان كائن إجتماعي و أخلاقي أولا ً قبل أن يكون كائنا ً إقتصاديا ً إستهلاكيا ً . فالأخلاق و النظام الأخلاقي الذاتي أو الجمعي هو صِمام الأمان لإجتماع إنساني آمن يحمي الإنسان من جشعه الشهواني الإستهلاكي .
و الندم قِنطرة ما بين الأخلاق و الضمير .
من لا يعرف الندم فلا أخلاق عنده و لا ضمير .
و من لا عنده أخلاق و لا ضمير غير من هو أدني في مرتبة مملكة الحيوان من الإنسان .
الاسكندرية في 11/9/2009

No comments:
Post a Comment