Thursday, September 10, 2009

يونيــــفورم


الـ " يونيفورم " ليس مجرد زي موحد الشكل تستخدمه مؤسسة ما للتعبير عن خصوصيتها و قواعدها ، ليس مجرد شكلاً من أشكال الخدمة الفاخرة التي تقدم للجمهور .

هو " ثقافة " أكثر منه " مجرد زي موحد " . ثقافة لها شقيها الإيجابي و السلبي . أما الإيجابي فذكرناه في الفقرة الأولي من هذه المقالة ، و أما الشق السلبي ؛ فهو إنها ثقافة تعكس لمجموعة من القيم السالبة كـ التمييز بين سيد و مَسود ، حر و مقيد ، غني و فقير ، مرفه و بائس ، و ما يصحب كل هذا من شعور بـ الإستعلاء و التميز من الطرف الأول في هذه العلاقة في مقابل شعور بـ الضِعة و اللاتميز من طرفها الثاني .

الـ " يونيفورم " ثقافة تجنح غالباً إلي قَتل روح " التفرد " و الـ " خَلق " و الـ " الإبداع " بين الناس ؛ لإنها ، و ببساطة ترفض أن تتعامل معهم خارج المساحات المرسومة لهم و المفروضة عليهم مُسَبقاً ؛ لإنها نعاملهم كـ " مجرد أشياء " لا كـ " مواضيع متفردة بذاتها "


الـ " يونيفورم " ثقافة سَلطوية في مبناها و معناها ، في شكلها و روحها ، يفرض فيها السيد " كل " ذوقه و شروطه ، مهما كان ذوقه بائخاً و شروطه مجحفة ، و لا يحق لـ " قِنه " الإعتراض علي " إياها " .


النظام مطلوب نعم ، لكن قولبة الناس مرفوضة . إعتبارهم مجرد " أشياء " سخافة . القضاء علي " فردانيتهم " " إنسانيتهم " " حقهم في الرأي و الإبداع " جريمة .


المطلوب : لا القضاء علي اليونيفورم " شكلاً " بل القضاء عليه " روحا ً " و " ثقافة سَلطوية " تجعل العلاقة علاقة أعلي مُتعال بأسفل حضيض . المطلوب : أن تكون العلاقة علاقة أخذ و رد ، علاقة " تعاون " ، " شراكة " ، تحاور إيجابي للوصول للأفضل ؛ لأن المفترض أن تكون المصلحة " مشتركة " .


و لـ اليونيفورم وجه آخر في العلاقات بين الناس؛ فالناس تحب أن تٌصنف بعضها إلي مجموعات " مع " و " ضد " و " محايدون " . فكل المتشابهون في خصال و صفات و مزايا / عيوب أو متفقون في أفكار أو رؤي أو مصالح أو إعتقادات يصنفون أنفسهم في مجموعة هي بالطبع الأفضل و الأصلح و الأصوب دائما ً و المغايرون لهم هم الأسوأ و الأفسد و الأخطأ دائما ً . إنه يونيفورم مصطنع زائف معنوي كالقسمة بين معسكرين " أهلي و زمالك " أو معسكر " الخير المطلق " و معسكر " الشر المطلق " و كل من هو عضو في معسكر الخير و الفضيلة فهو خَير و فاضل أما كل من هو عضو في معسكر الشر و الرذيلة فهو شرير و إبليس . مع أن المنطق السليم يقول إنه بفرض صحة هذه التقسيمة ، و هي لا شك خاطئة ، فإن في معسكر الخيرين أشرار و نصف و ربع أشرار ، و في معسكر الشر خيرين و نصف و ربع خيرين . إننا نفتش بأيدينا عن تعاستنا ، سعيا ً وراء ما يٌباعدنا و يفتتنا و يؤلمنا . بيد أنـٌأ لو أدركنا أن المطلقات – في كل شئ – وَهن ، و التعميمات سخافات ، و الأحاديات ضلالات ، و أدركنا أن كل الأشياء تحتمل الصحة و الخطأ ، و كل الأفكار تحتمل الجدل، و أن القوة في النِسبيات ، و الحق في التنوع ؛ لكانت حياتنا آمن .


لكننا البشر عبيد اليونيفرمات الحقيقية و الزائقة ..


لو لم نعرفها .. لأوجدناها .


و لو لم نجدها .. لأخترعناها


. الإسكندرية في 2/9/2009

No comments:

Post a Comment