Monday, October 12, 2009

اليوم السابع تنشر مقالي : قهوة سادة

نشرت جريدة اليوم السابع ،في عددها الصادر 9 أكتوبر 2009 ، مقالي : قهوة سادة ، في صفحة مقالات القراء

محمد مجدى يكتب: قهـوة ســادة
الجمعة، 9 أكتوبر 2009 - 14:10




قهوة سادة: مسرحية سياسية، أذاعتها قناة القاهرة والناس فى سهرة ثانى أيام عيد الفطر، لمجموعة من الممثلين المغمورين.القهوة السادة، حسب العادات المصرية، تقدم فى سـرادقات العزاء حـِدادا على الأموات، فـمَن هو الميت الذى يدعو مبدعو المسرحية لتناول أقداح القهوة وداعا له؟كلا، ليس مصر، فمصر بلد لا يموت، وإن طال نـَومها وسكوتها. الميت هو: قيم المصريين التى استحالت، كما تعرض، إلى قيم نفعية استهلاكية مريضة تنعكس فى سلوك المصريين إلى ثقافة عنف وقبح وتدين شَكلى )يفرغ الدين من مضمونه الحقيقى إلى عبادة الحرف حتى لو كانت النتيجة فتوى كوميدية كـإرضاع الكبير، ومرورا بـثقافة الوساطة حتى فى الفن الذى من المفترض أن يكون هو خصوصا ً دونما أية وساطات، لأنه يعتمد على الإبداع الذاتى الشخصى الخالص. المسرحية ترصد لتغيرات اجتماعية خطيرة إذن، لم تأت عبثاً بالتأكيد، فالسماء لا تمطِر قـٌبحا وفسادا، هذه التغيرات أتت نتيجة لـتراكم سياسات عشوائية أو فجائية أو مزاجية، سَمها ما شئت، فالمحصلة واحدة هى تلك الظواهر التى رصدها هذا العمل الفنى المتميز التى هى ناقوس خطر، علينا التنبه له ومحاولة تصحيح مساره. فمن النتائج المرعبة لهذه التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التى من مظاهرها الجهل والعنوسة والغلاء فى مقابل تعول رجال الأعمال بشكل مرعب على مقدرات البلد فبحسب المسرحية يدعو أحد رجال الأعمال، الله أن يتمم له مجموعة شركاته بـالأهرامات وأبو الهول.. ويدعو آخر الله يا رب إحوجنى!!نجد أن الأشد رعبا من هذا كله هو: فقدان الهوية المصرية الحقيقية لـصالح هويات أخرى لاسيما: الخليجية، فـالخلجنة زحفت لتشمل التاريخ والجغرافيا والشخصية والفن المصرى، فـريالات الخليج الدافئة تفعل السحر والعجائب حتى: تجعل المحرك الخفى لـتاريخ العالم كله، لا مصر وحدها، حسب المسرحية، هو شخص وهمى هو: نواف الغامدى!! بطل الثورة المصرية فى 52 وبطل حرب 73 وبطل الثورة الكوبية!! وربما: الفرنسية والأمريكية، وحرب فيتنام، وربما هو الذى هدم سور برلين وأسقط الاتحاد السوفيتى أيضاً.وفقدان الهوية هذا هو سبب فى اندحار لغتنا العربية لصالح لهجات ولغات مخترعة مبهمة، فالمعروف أن اللغة تعبير عن ذات الإنسان، فإن اطردت لغته ووهنت وتَغربت، فمعناه اضطراب فى نفسه وسلوكه واغتراب يحياه. وهو السبب فى ظاهرة الهجرة غير الشرعية فى زوارق الموت.. وهى الظاهرة التى لم ينج منها الأطفال أيضا.وغريب ما لاحظته بخصوص هجرة الأطفال، حيث هناك فى تاريخ الحملات الصليبية فى العصور الوسطى حملة باسم حملة الأطفال، أبطالها أطفال أرادوا أيضاً الهروب من أوطانهم التى كانت تعج بالفوضى والفساد والاضطراب والاستبداد السياسى والدينى.. وأتساءل: أليس تكرر الظواهر معناه تكرر الظروف التى تحدث فيها الظواهر؟ وبعد، ما الذى تريد قهوة سادة قوله صَراحة :قهوة سادة تريد القول إن كل هذه الظواهر السلبية لا تحدث مصادفة أو قدرا،ً بل هى تراكمات لسياسات خاطئة؛ فما دور السياسة إن لم يكن يقع فى صميمها الحرص على توفير حياة آمنة كريمة لمواطنى الدولة، تجعل للإنسان كرامة فى وطنه، تجعله متمسكاً ومدافعا شرسا عن هويته لا رخواً أمام إغراءات الدولار أو الريال، ولا مستسلماً لخصائص ثقافية وفكرية خليجية ) يملك هو ما هو أرقى وأكثر منها سماحة). قهوة سادة، إذا أردت أن تعرف ما تريد قوله صراحة؛ فأسترجع أول مشاهدها وهو استعراض صور لرموز مصرية فى الحقبة الليبرالية من فنانين وعلماء وسياسيين واقتصاديين وأئمة، جمعهم إيمانهم بقيمة الإنسان الفرد فى بناء مصر الحرة، جمعهم إيمانهم بالحرية الفكرية والعقائدية، بالتسامح. جمعهم الوقوف ضد سلطة الفرد، والمناداة بالديمقراطية.. جمعهم اعتزازهم بمصر وطنا وثقافًة وهُوية. قيل بعد استعراض صور هؤلاء العظماء إن عزاءنا الوحيد فيهم أنهم فى العالم الآخر. فكيف يأتى خلاصنا هنا فى عالمنا الأرضى ؟! لا يأتى إلا بالتأكيد والنضال على ما أكدوا وناضلوا عليه: حرية وديمقراطية. إن إقامة نظام سياسى سليم، تعددى ديمقراطى ورفض احتكار السلطة هو الحل. الحل فى: التنوير والديمقراطية، والديمقراطية أولاً.

No comments:

Post a Comment