
( قهوة سادة ) : مسرحية سياسية ، أذاعتها قناة ( القاهرة و الناس ) في سهرة ثاني أيام عيد الفطر ، لـ مجموعة من الممثلين المغمورون.
القهوة السادة ، حسب العادات المصرية ، تـٌقدم في سـٌرادقات العزاء حـِدادا ً علي الأموات، فـمَن هو الميت الذي يدعونا مبدعو المسرحية لـ تناول أقداح القهوة وداعا ً له ؟
كلا ، ليس مصر ، فمصر بلد لا يموت ، و إن طال نـَومه و سٌكوته .
الميت هو : قيم المصريون ، التي إستحالت ، كما تعرض ، إلي قيم نفعية إستهلاكية مريضة تنعكس في سلوك المصريين إلي ثقافة ( عنف ) و ( قبح ) و ( تدين شَكلي ) يٌفرغ الدين من مضمونه الحقيقي إلي عبادة الحرف حتي لو كانت النتيجة فتوي كوميدية كـ ( إرضاع الكبير )، و مرورا ً بـ ثقافة ( الوساطة ) حتي في ( الفن ) ، الذي مفترض أن يكون هو خصوصا ً دونما أية وساطات ؛ لأنه يعتمد علي الإبداع الذاتي الشخصي الخالص .
المسرحية ترصد لتغيرات إجتماعية خطيرة إذن ، لم تأت عبثا ً بالتأكيد ، فالسماء لا تٌمطِر قـٌبحا ً و فسادا ً . هذه التغيرات أتت نتيجة لـ تراكم سياسات ( عشوائية ) أو ( فجائية ) أو ( مزاجية ) ، سَمها ما شئت ، فالمحصلة واحدة هي تلك الظواهر التي رصدها هذا العمل الفني المتميز ، و التي هي ناقوس خطر ، علينا التنبه له و محاولة تصحيح مساره .
؛ فمن النتائج المرعبة لهذه التغيرات الإجتماعية و الإقتصادية ، التي من مظاهرها( الجهل) و ( العنوسة ) و ( الغلاء ) في مقابل ( تغول رجال الأعمال ) بشكل مرعب علي مقدرات البلد ( فبحسب المسرحية يدعو أحد رجال الأعمال ، الله أن يتمم له مجموعة شركاته بـ الأهرامات و أبو الهول .. و يدعو آخر الله ( يا رب إحوجني !!). ، نجد أن الأشد رعبا ً من هذا كله هو : ( فقدان الهوية المصرية الحقيقية ) لـ صالح هويات أخري لا سيما : الخليجية ؛ فـ ( الخلجنة ) زحفت لتشمل التاريخ و الجغرافيا و الشخصية و الفن المصري ؛ فـ ريالات الخليج الدافئة تفعل السحر و العجائب حتي : تجعل المٌحرك الخفي لـ تاريخ العالم كله ، لا مصر وحدها ، حسب المسرحية ، هو شخص وهمي هو : ( نواف الغامدي ) !! بطل الثورة المصرية في 52 و بطل حرب 73 و بطل الثورة الكوبية !!! و ربما : الفرنسية و الأمريكية ، و حرب فيتنام ، و ربما هو الذي هدم سور برلين و أسقط الإتحاد السوفيتي أيضا ً .
و فقدان الهوية هذا هو سبب في إندحار لغتنا العربية لصالح لهجات و لغات مخترعة مٌبهمة ، فالمعروف أن اللغة تعبير عن ذات الإنسان ؛ فإن إضطربت لغته و وهنت و تَغربت ؛ فمعناه إضطراب في نفسه و سلوكه و إغتراب يحياه .
و هو السبب في ظاهرة ( الهجرة غير الشرعية ) في ( زوارق الموت ) . و هي الظاهرة التي لم ينج منها الأطفال أيضا ً .
و غريب ما لاحظته بخصوص هجرة الأطفال ، حيث هناك في تاريخ الحملات الصليبية في العصور الوسطي حملة بإسم حملة الأطفال ، أبطالها أطفال أرادوا أيضاً الهروب من أوطانهم التي كانت تعج بالفوضي و الفساد و الإضطراب و الإستبداد السياسي و الديني .. و أتسائل : أليس تكرر الظواهر معناه تكرر الظروف التي تحدث فيها الظواهر ؟
و بعد ،
ما الذي تريد ( قهوة سادة ) قوله صَراحة :
قهوة سادة تريد القول أن كل هذه الظواهر السلبية لا تحدث مصادفة ً أو قدرا ً بل هي تراكمات لسياسات خاطئة ؛ فما هو دور السياسة إن لم يكن يقع في صميمها الحرص علي توفير حياة آمنة كريمة لمواطني الدولة ، تجعل للإنسان كرامة ً في وطنه ، تجعله متمسكا ً و مدافعا ً شرسا ً عن هويته لا رخوا ً أمام إغراءات الدولار أو الريال ، و لا مستسلما ً لخصائص ثقافية و فكرية ( خليجية ) يملك هو ما هو أرقي و أكثر منها سماحة .
قهوة سادة ، إذا أردت أن تعرف ما تريد قوله صراحة ؛ فأسترجع أول مشاهدها و هو إستعراض صور لرموز مصرية في الحقبة الليبرالية من فنانين و علماء و سياسيين و إقتصاديين و أئمة ، جمعهم إيمانهم بقيمة الإنسان الفرد في بناء مصر الحرة ، جمعهم إيمانهم بالحرية الفكرية و العقائدية ، بالتسامح .
جمعهم الوقوف ضد سلطة الفرد ، و المناداة بالديموقراطية .
جمعهم إعتزازهم بمصر وطنا ً و ثقافة ً و هوية .
قيل بعد إستعراض صور هؤلاء العظماء إن ( عزاؤنا الوحيد فيهم إنهم في العالم الآخر ) . فكيف يأتي خلاصنا هنا في عالمنا الأرضي ؟!
لا يأتي إلا بالتأكيد و النضال علي ما اكدوا و ناضلوا عليه : حرية و ديموقراطية .
إن إقامة نظام سياسي سليم ، تعددي ديموقراطي و رفض إحتكار السلطة هو الحل .
الحل في : التنوير و الديموقراطية .
و : الديموقراطية أولا ً.
محمد مجدي
الإسكندرية في 24/9/2009 .

No comments:
Post a Comment